أحمد بن علي القلقشندي

36

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مجتبى الإمام فخر الأنام ؛ وليست هذه النعوت مما تزيد مكانه عرفا ، ولا تستوفي من أوصافه وصفا ، وإن عدّها قوم جلّ ما يدّخرونه من الأحساب ، ومعظم ما يخلَّفونه من التّراث للأعقاب ، ولا يفخر بذلك إلا من أعدم من ثروة شرفه ، ورضي من الجوهر بصدفه ؛ وأنت فغير فاخر به ولا بما ورثته من مجد أبيك الذي أضحت الأيّام به شهودا ، والجدود له جدودا ، وغدا وكأنّ عليه من شمس الضّحى نورا ومن الصّباح عمودا ، وقد علمت أنه كان إليه نسب المكارم وسيمها ، وكان ما بلغه منها أعظم ما بلغه من دنياه على عظمها ، لكنّك خلَّفت لنفسك مجدا منك ميلاده ، وعنك إيجاده ، وإذا اقترن سعي الفتى بسعي أبيه فذلك هو الحسب الذي تقابل شرفاه ، وتلاقى طرفاه ، وغضّ الزمان عنه طرفه كما فتح بمدحه فاه ؛ وإذا استطرفت سادة قوم بنيت بالسّؤدد الطريف التّليد ، ولقد صدّق اللَّه لهجة المثني عليك إذ يقول : إنّك الرجل الذي تضرب به الأمثال ، والمهذّب الذي لا يقال معه : أيّ الرجال ( 1 ) ؛ وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشدّ أزرها ، وسدّ ثغرها ، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها ؛ فهي مزدانة منك بالفضل المبين ، معانة بالقويّ الأمين ، فلا تبيت إلا مستخدما ضميرك في ولائها ، ولا تغدو إلا مستجديا كفايتك في تمهيدها وإعلائها . ومن صفاتك أنك الواحد في عدم النظير ، والمعدود بألف في صواب التدبير ، والمؤازر عند ذكر الخير على الإعانة وعند نسيانه على التذكير ؛ ولم ترق إلى هذه الدرجة حتّى نكحت عقبات المعالي فقضيت أجلها ، وآنست من طور السعادة نارا فهديت لها ؛ ولم تبلغ من العمر أشدّه ، ولا نزع عنك الشباب برده ؛ بل أنت في ريعان عمرك المتجمل بريعان سؤدده ، المتقمّص من سيما

--> ( 1 ) إشارة إلى المثل « أيّ الرجال المهذّب » : يضرب مثلا للرجل يعرف بالإصابة في الأمور ، وتكون منه السّقطة . وأصله من قول النابغة الذبياني ( زياد بن معاوية بن ضباب ) : ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث أيّ الرجال المهذّب . ( انظر جمهرة الأمثال : 1 / 188 والمستقصى : 1 / 449 ) .